أحمد مصطفى المراغي

9

تفسير المراغي

وقد جعل اللّه في هذا الكوكب سر الحياة ؛ فالحرارة والضوء يطردان الأمراض وينعشان كل حي ، ولا أدلّ على هذا مما نشاهد من فتك الأمراض بمن يكون بمنأى عن ضوئها وحرارتها ، والجراثيم لا تتوالد إلا حيث يحتجب عنهما السكان ، ويبتعدان عن المكان . ( 9 ) ( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) أي وأنزلنا من السحائب والغيوم التي تتحلب بالمطر ماء كثير السيلان ، عظيم الانصباب . ثم بين عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال : ( لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً . وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ) أي لنبدل بوساطته جدب الأرض خصبا ، فنخرج من الأرض حبّا يقتات به الناس كالحنطة والشعير ، ونباتا تقتات به الدواب ، وحدائق ذات أغصان ملتفة . وقد جمع اللّه في هذه الآية جميع أنواع ما تنبته الأرض ، فإن ما يخرج منها إما أن يكون ذا ساق أولا ؛ والأول إذا اجتمع بعضه إلى بعض وكثر حتى التف فهو الحديقة ؛ والثاني إما أن يكون له أكمام فيها حب ، وإما أن يكون بغير ذلك وهو النبات ، وقدّم الحب لأنه غذاء أشرف أنواع الحيوان وهو الإنسان ، وأعقبه بذكر النبات ، لأنه غذاء بقية أنواع الحيوان ، وأخر الحدائق لأن الفاكهة مما يستغنى عنها الكثير من الناس . وقال الفرّاء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 17 إلى 30 ] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ( 17 ) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ( 18 ) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ( 19 ) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً ( 30 )